إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
970
زهر الآداب وثمر الألباب
بوخطه ، وخبطه السن بابنه وسبطه ، قد تضاعفت عقود عمره ، وأخذت الأيام من جسمه . وجد مسّ الكبر ، ولحقه ضعف الشيخوخة ، وأساء إليه أثر السنّ ، واعتراض الوهن . هو من ذوى الأسنان العالية ، والصحبة للأيام الخالية . هو همّ هرم ، فد أخذ الزمان من عقله . كما أخذ من عمره . ثلمه الدهر ثلم الإناء « 1 » ، وتركه كذى الغارب المنكوب ، والسّنام المجبوب . رماه من قوسه « 2 » الكبر . أريق ماء شبابه ، واستشنّ أديمه كسر الزمان جناحه ، ونقض مرّته . طوى الدهر منه ما نشر ، وقيّده الكبر ، يرسف رسفان المقيّد ، هو شيخ مجتثّ « 3 » الجثّة ، واهى المنّة ، مغلول القوة ومفلول الفتوة « 4 » ، ثقلت عليه الحركة ، واختلفت إليه رسل المنيّة . ما هو إلا شمس العصر ، على القصر . أركانه قد وهت ، ومدّته قد تناهت . هل بعد الغاية منزلة ، أو بعد الشيب سوى الموت مرحلة ؟ ما الذي يرجى ممن كان مثله في تعاجز الخطا ، وتخاذل القوى ، وتدانى المدى ، والتوجّه إلى الدار الأخرى ، أبعد دقّة العظم ، ورقّة الجلد ، وضعف الحسّ ، وتخاذل الأعضاء ، وتفاوت الاعتدال ، والقرب من الزوال . والذي بقي منه ذماء « 5 » يرقبه المنون بمرصد ، وحشاشة هي هامة اليوم أوغد . قد خلق عمره ، وانطوى عيشه ، وبلغ ساحل الحياة ، ووقف على ثنيّة الوداع ، وأشرف على دار المقام ، فلم يبق إلا أنفاس معدودة ، وحركات محصورة . نضب غدير شبابه . فقر لغير واحد في المشيب قيس بن عاصم : الشيب خطام المنية . أكثم بن صيفي : المشيب عنوان الموت . الحجاج بن يوسف : الشيب نذير الآخرة . غيره : الشيب نوم الموت .
--> « 1 » في نسخة « ثلمة الإناء » ( م ) « 2 » في نسخة « من قومه » ( م ) « 3 » في نسخة « مجيب الجثة » ( م ) « 4 » في نسخة « معلول الفتوة » ( م ) « 5 » الذماء - بفتح الذال - بقية النفس ( م )